كوالالمبور/ 12 يونيو/حزيران//برناما//-- في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية وتزداد فيه قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على التأثير في الرأي العام، برزت دعوة سلطان ولاية بيراك، شمالي ماليزيا، السلطان نظرين شاه، إلى القادة الدينيين للاضطلاع بدور أكثر فاعلية في مواجهة موجة التضليل الإعلامي التي تستهدف الشباب عبر المنصات الرقمية.
وخلال كلمته في القمة الدولية الثالثة للقادة الدينيين المنعقدة في كوالالمبور، رسم السلطان نظرين صورة واضحة للتحديات التي تواجه المؤسسات الدينية في عصر باتت فيه الخوارزميات قادرة على الوصول إلى الشباب بسرعة وانتشار يفوقان ما تحققه المنابر التقليدية.
وقال إن معركة الوصول إلى عقول الشباب وقلوبهم لم تعد تُخاض داخل دور العبادة أو قاعات المحاضرات، بل على منصات رقمية لا تملكها المؤسسات الدينية، وبأساليب تواصل حديثة ما زالت هذه المؤسسات تسعى إلى فهمها وإتقانها.
وأشار إلى أن كثيراً من الشباب اليوم يعيشون تحت وطأة تحديات عالمية متشابكة، تشمل تغير المناخ، والنزاعات المسلحة، والضغوط الاقتصادية، الأمر الذي يدفعهم إلى البحث عن المعنى والانتماء والثقة في عالم يتسم بانعدام اليقين.
ولفت السلطان نظرين إلى أن العالم يضم نحو 1.8 مليار شاب، ما يجعلهم أكبر جيل في التاريخ، مؤكداً أن الوقت قد حان للتخلي عن النظرة التقليدية التي تعتبر الشباب مجرد قادة المستقبل.
وقال إن الشباب اليوم ليسوا مجرد متلقين للرسائل أو مستفيدين من السياسات، بل أصبحوا فاعلين رئيسيين في تشكيل الخطاب العام وإنتاج الأفكار وقيادة المبادرات المجتمعية.
وأضاف: "لقد أمضينا وقتاً طويلاً في الحديث عن الشباب، ووقتاً أقل بكثير في الاستماع إليهم وإشراكهم في صناعة القرار. إنهم لا يريدون أن يكونوا مجرد مستشارين، بل شركاء حقيقيين في الإبداع والتغيير".
وأكد أن القادة الدينيين يمتلكون موقعاً فريداً يمكنهم من سد الفجوة بين الأجيال، وبناء جسور الثقة والحوار مع الشباب.
وفي حديثه عن مخاطر التطرف، أوضح السلطان نظرين أن الجماعات المتطرفة لا تعتمد فقط على الشعارات السياسية أو الخطابات الأيديولوجية، بل توظف النصوص الدينية والرموز الروحية ذاتها التي تستند إليها المؤسسات الدينية المعتدلة.
وقال إن المتطرفين يقدمون للشباب إحساساً بالانتماء والغاية، لكنهم يوجهون هذا الشعور نحو التظلم والكراهية بدلاً من الرحمة والتفاهم.
وأضاف: "إذا كان كل ما نقدمه للشباب هو موعظة بعيدة عن واقعهم، بلغة لم يعودوا يستخدمونها، وفي أماكن لم يعودوا يرتادونها، فإننا نكون قد دخلنا منافسة رقمية بأدوات لا تنتمي إلى هذا العصر".
وشدد على أن تمكين الشباب وإشراكهم في المبادرات الدينية والمجتمعية يشكلان جزءاً أساسياً من مواجهة الأفكار المتطرفة وتعزيز ثقافة السلام والتعايش.
وتناول السلطان نظرين التحديات الأخلاقية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى الرسالة البابوية التي أصدرها البابا ليو الـ 14 الشهر الماضي بشأن حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي.
وقال إن القيم الإنسانية المشتركة قادرة على توحيد مختلف المرجعيات الدينية حول رسالة واحدة مفادها أن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا يمكنها أن تحل محل البعد الإنساني.
وأضاف: "يمكن للشاشة أن تنقل المعلومات، لكن الإنسان وحده قادر على نقل المعنى".
وفي هذا السياق، أشار إلى نتائج مؤشر إيدلمان للثقة لعام 2026م التي أظهرت تراجع مستويات الثقة بين الأفراد ذوي الخلفيات والمعتقدات المختلفة، فضلاً عن تنامي التشاؤم بشأن مستقبل الأجيال القادمة.
وقال إن هذه المؤشرات تعكس الحاجة المتزايدة إلى دور ديني وأخلاقي أكثر حضوراً في المجتمع، مؤكداً أن الدين في جوهره يذكّر الإنسان بكرامته وقيمته الأخلاقية بعيداً عن النزعة الاستهلاكية أو الانقسامات الرقمية.
وأكد السلطان نظرين أن القيادة الدينية الفاعلة في القرن الـ 21 يجب أن تجمع بين الثبات على المبادئ والقدرة على التفاعل مع المتغيرات.
وأوضح أن المجتمعات ما زالت بحاجة إلى الحكمة والانضباط والعمق الأخلاقي الذي توفره التقاليد الدينية، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى خطاب قادر على مخاطبة الأسئلة الجديدة التي تطرحها الأجيال الشابة.
وقال: "المهمة ليست إضعاف الإيمان أو التخلي عن الحكمة الموروثة، بل تمكين تلك الحكمة من التفاعل مع واقع العالم المعاصر".
وشهدت القمة حضور رئيس الوزراء أنور إبراهيم، والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور محمد عبد الكريم العيسى، والوزير برئاسة مجلس الوزراء (الشؤون الدينية) الدكتور ذو الكفل حسن.
وجمعت القمة، التي نظمتها مصلحة الشؤون الإسلامية الماليزية (جاكيم) بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، نحو 1500 عالم وباحث وصانع قرار وقائد ديني من 31 دولة، تحت شعار "القادة الدينيون وتمكين الشباب: تعزيز التعايش والوئام الاجتماعي".
ومع استمرار التحولات الرقمية وتزايد تأثير الذكاء الاصطناعي في تشكيل الأفكار والاتجاهات، تبدو الرسالة التي حملها السلطان نظرين واضحة: إن مستقبل التعايش والسلم المجتمعي لن يتوقف فقط على التطور التكنولوجي، بل على قدرة القادة الدينيين والمؤسسات المجتمعية على بناء جسور الثقة مع الشباب، وتقديم خطاب يجمع بين القيم الراسخة ومتطلبات العصر.
وكالة الأنباء الوطنية الماليزية - برناما//س.هـ